الطبراني

408

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

الأولى : ما علمت لكم من إله غيري ، وكان بين الأولى والأخرى أربعين سنة ) « 1 » . وهذه الرواية صحيحة إلّا قوله : ( مخافة أن يتوب فيتوب اللّه عليه ) لأنه لا يخلو إما أن يكون التكليف ثابتا في ذلك الوقت أو غير ثابت ، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السّلام أن يمنعه من التوبة ، ولو منعه من التكلّم باللسان لكانت ندامة فرعون بالقلب كافية في توبته ؛ لأن الأخرس إذا تاب بالندم بقلبه وعزم على ترك المعاودة إلى القبيح كانت توبته صحيحة . وإن لم يكن التكليف ثابتا في ذلك الوقت لم يكن للمنع عن التوبة معنى بوجه من الوجوه ، وإنما لا يقبل الإيمان في وقت الإلجاء ؛ لأنّ الذي يؤمن في تلك الحالة يعلم أنه لو حاول خلاف ما يؤمر به حيل بينه وبينه ، فلا يكون مثابا بإعلاء ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورة دون الاجتهاد . قوله : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ؛ أي فاليوم نلقيك على نجوة من الأرض ، وهي المكان المرتفع ؛ أي ببدنك أي بدرعك ، قال ابن عبّاس : ( كان فرعون قصيرا طوله ستّة أشبار ، وكانت لحيته قريبا من قامته ، وكانت له درع سلاسلها من ذهب يعرفها جميع بني إسرائيل ، فسألت موسى بنو إسرائيل فدعا اللّه فأخرجه ببدنه حتّى واراه ، وعرفوا الدّرع فطابت أنفسهم بتلك ) . ويقال : كان في بني إسرائيل من لا يصدّق بهلاك فرعون ، ولذلك سأل موسى عليه السّلام أن يلقيه اللّه على نجوة من الأرض ببدنه ؛ أي وحده دون قومه . وقيل : معناه : ننجيك من الماء ببدنك دون روحك ، فأما روحك فتعذب على كلّ حال . قوله : لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ؛ أي لمن بعدك من الكفّار آية في النّكال ، لئلّا تقول لأحد بعدك مثل مقالتك ، وتعرفوا أنّك لو كنت إلها ما غرقت . قوله : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) ؛ يعني لغافلون عن التفكّر في دلائلنا .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان مختصرا وبألفاظ في الرقم ( 13816 و 13818 ) عن ابن عباس ، و ( 13817 ) عن أبي هريرة . وأخرجه الترمذي في الجامع : كتاب التفسير : الحديث ( 3108 ) وحسنه .